Wednesday, 29 January 2014

"في الدفاع عن روسيليني" - من أندريه بازان إلى سينما نوفو ( الريف في نابولي وانجريد بيرجمان)



رسالة مفتوحة إلى رئيس تحرير مجلة "سينما نوفو" أغسطس 1955.

إلى جويدو آريستاركو.

لقد انتظرت شهورًا طويلة لكتابة هذه التعليقات إليك. في الحقيقة كنت مترددًا شهر بعد شهر وكنت أقوم بتأجيل ذلك لإدراكي لأهمية المشكلة وتداعياتها، كما أنني على علم بأنني افتقر للإعداد النظري مقارنة بالجدية والشمولية التي هي عند النقاد الإيطاليين الذين يدرسون الواقعية الجديدة بالعمق اللازم علمًا بأنني كنت من أشد المرحبين بمدرسة الواقعية الجديدة في السينما منذ وصولها إلى فرنسا وكرست نفسي واهتمامي بها ولكنني لا أستطيع أن أدعي بأن لديّ نظرية ورؤية متماسكة وشاملة لمنافسة النظرية والإعداد الذي قمت به من أجلها، كما أنني سأكون في غاية السخافة لو ظننت أنني لديّ القدرة على الإلمام بهذه الظاهرة الجديدة التي تتناغم مع تاريخ الثقافة الإيطالية، ليس مثل قدرتك ولن اكون في موضع المُرشد للإيطاليين فيما يخص سينماهم!، وهذا حقيقة سبب تأخري في الرد على دعوتك لي في عملية دراسة الموقف الذين اتخذتموه أنت وحركتك على صفحات المجلة فيما يخص بعض الأفلام الاخيرة.


أود أن أذكرك قبل الوصول إلى قلب النقاش أن اختلاف الرأي بين نُقاد من بلدين مختلفين من نفس الجيل هو أمر ليس بالغريب فنحن في "كراسات السينما" على سبيل المثال مررنا بهذه التجربة من قبل، فلا أخجل من الاعتراف بأنني لم أتصور على الإطلاق أن يحصل فيلم "كاسكوي دور" للمخرج الفرنسي جاكيوس بيكار على كل هذا التقدير من لندساي أندرسون (وفيلم بيكار كان قد فشل في فرنسا في 1952) مما دعاني إلى إعادة النظر في وجهة نظري ورؤية الفضائل التي لم ألحظها في فيلمه.


صحيح أن حكم الأجنبي على عمل قد يكون مُضللًا بعض الشيء بسبب أنه لا يألف السياق الذي يأتي منه الفيلم، فعلى سبيل المثال فإن نجاح أفلام دوفيفيير أو بانيول خارج فرنسا راجع لسوء الفهم، النقاد الأجانب أعجبوا بها لأنها تُقدم صورة "نموذجية ورائعة لفرنسا" وقد أثرت عليهم هذه الصورة الغرائبية والغير معقولة في تقييمهم الحقيقي لهذه الأعمال، أدرك أن هناك بعض الاختلافات وأفترض كذلك أن نجاح بعض الأفلام الإيطالية في الخارج والتي ربما تقيمها بمستوى أقل أو بتقدير منخفض يستند على نفس النوع من سوء الفهم ولكن لا أعتقد أن هذا ينطبق على الأفلام التي سببت الخلاف بيننا، ولا حتى ينطبق على الواقعية الجديدة بشكلٍ عام.


لنبدأ بأن أقول إذا سمحت لي بأن النقاد الفرنسيين لم يكونوا خاطئين في تحمسهم الزائد مُقارنة بالنقاد الإيطاليين للأفلام التي تعتبر اليوم هى مجد السينما الإيطالية سواء عندكم أو في جبال الألب، من جهتي فسوف أتملق نفسي بأن أقول بأنني واحد من عدد قليل من النقاد الفرنسيين في هذا التحمس الزائد لهذه الحركة، وكنت دومًا أربط الولادة الجديدة للسينما الإيطالية بـ"الواقعية الجديدة" حتى في الأوقات الذي لم يكن لهذا المصطلح معنى مشهور أو متداول، وفي هذا الوقت ما زلت أرى بأن هذه الحركة هى أفضل وأبدع ما أخرجت السينما الإيطالية، ولكن لنفس السبب فأنا منزعج من الطريقة التي دافعت بها عنها.


لذا دعني أجرؤ على القول عزيز آريستاركو بأن الخط القاسي الذي تبنته مجلتك ضد بعض النزعات في الواقعية الجديدة ينبغي أن تتخلى عنها فهى تدفعني للخوف بأنك تقوم بوضع السكين على ما هو أكثر شيء حيوي وغني في السينما الخاصة بكم، أنا مُحدد بما فيه الكفاية فيما يتعلق بالجوانب التي تعجبني في سينماكم، ولكنك قمت بتمرير بعض الأحكام القاسية التي أنا على استعداد لقبولها: أنت إيطالي، أستطيع أن أفهم لماذا نجاح فيلمي لويجي كومينشيني و"الخبز والحب والأحلام" قد أزعجك، فرد فعلك يشبه ما شعرنا به تجاه أفلام دوفيغيير خارج باريس، ولكن من ناحية أخرى، عندما أجدك تبحث عن البراغيث في شعر "جيلسمونيا" الأشعث في "لاسترادا"فيليني أو رفضك للفيلم الأخير لروسيليني أجدني مُجبر على استنتاج بأنك تقوم بعملية وأد لأكثر أفرع النظرية حيوية، تلك الأفرع الواعدة في الواقعية الجديدة.




أنت تقول لي بأنك مندهش من النجاح النسبي لـ "رحلة إلى إيطاليا" لروسيليني في باريس وهذا الحماس وشبه الإجماع من النقاد الفرنسيين عليه، كما حدث مع فيلم "لاسترادا"، وانت تدرك تمامّا أن هذين الفيلمين جاءا في اللحظة المناسبة لاستعادة سينماكم للتأثير ليس فقط على عامة الناس ولكن للتقدير واحترام المثقفين وشد انتباهم للسينما الإيطالية التر تراجعت في آخر عامين، وأسباب نجاحهما مختلفة ومتعددة، وبعيدًا عن أنهما أنهوا القطيعة والانحدار في تقييم الأعمال القادمة من إيطاليا، فقد تركوا فينا الشعور بالإبداع الخلاق المستمد مباشرة من روح المدرسة والثقافة الإيطالية، وسأحاول أن أقول لك لماذا.


ولكن أولًا لا بد لي من الاعتراف بأن أكثر ما لا يعجبني في نواة النظرية الخاصة بك فيما يتعلق بالواقعية الجديدة هو التركيز فقط على جوانب الحاضر وفقط، وفرض قيود مسبقة على ما يُمكن أن تتركه القصة من احتمالات للمستقبل، ربما لم يعجبني هذا كفاية لأنني ليس لديّ ما يكفي من دراستك للنظرية، ولكن ما أفهمه أنني أفضل السماح للفن بأن يترك على حريته وطبيعته، ففي الفترات العقيمة في حياة المجتمعات فإن الواقعية قد تكون مصدر مُثمر لتحليل أسباب الاضمحلال، ويُمكن أن تُساعد على فهم الظروف التي ينبغي أن تخلق لتحقيق نهضة ما، لدينا ولحسن الحظ هذا الإزدهار الرائع في السينما الإيطالية خلال العشر سنوات الماضية، وليس هناك ما هو أخطر على المزايا التي اكتسبناها من أن نضع قانون يُفرض على النظرية!، لا يعني ذلك بأنني أقول بأن لا يكون هناك شيء من الصرامة..


ولكن أعتقد أن الصرامة تأتي بأن نكون قلقين اكثر من الظروف التجارية المتحكمة بهذه الصناعة، والغوغائية وخفض مستوى الطموحات، لا أن نهتم بفرض معايير جمالية معينة على الفنانين وكما أرى فإن المخرج الذي قد يقوم بعمل يقترب كثيرًا من المُثل والمعايير الجمالية الخاصة بك فلن يحقق منها سوى 10 أو 20 بالمائة مما تريده، نظرًا لظروف الإنتاج وهو ما قد يختلف عندما يقوم بتصوير الأفكار التي تتوافق وتتماثل مع ما يريده حتى لو كان مفهومه عن الواقعية الجديدة يختلف عنك، وسوف يقوم تقييمك للفيلم الأول متوسطًا والآخر سوف ترسله إلى الجحيم دون وجود حق للاستئناف.


من وجهة نظرك فإن روسيليني سيكون أقل عرضة للوم إذا قام بعمل مُشابه لمحطة تيرميني، أو إمبيرتو دي، مقارنة ما إذا قام بإخراج فيلمي كـ "جان دارك في كفة الميزان" أو " لا باروا"، وليس في نيتي الآن أن أدافع عن مؤلف فيلم "أوروبا 51" على حساب لاتاودا أو دي سيكا، ولكني لن أقوم بذلك، لكن ما أريد قوله أن روسيليني يبدو لي فنان يُعطي الاستقلال التام لعمله - بغض النظر ما إذا كان أحد يفكر بأرضية وأسلوب مختلف عنه-، ففرادة الأسلوب وعمق الفكرة الشخصية هو شيء نادر جدا في السينما وهذا الأمر يجبرنا على إجلاله قبل حتى أن نُعجب به، ولكني لن أدافع عنه بهذه الطريقة المنهجية ولكني حجتي مبنية على افترضات معينة وهى..




هل سبق روسيليني الواقعية الجديدة حقًا، أم أنه انضم لها لاحقًا، في رأيي وعلينا أن نعترف بأنه سبقها وكان "نيوريلست" قديم، فقد لعب الدور الأساسي في وضع أصول الواقعية الجديدة في فيلمي "روما، مدينة مفتوحة" وبيزا، وأسهم في تطورها، ولكن حسب ما تقول فإن الانحدار أو الانحراف عن تلك المدرسة ظهر في بعض الإشارات في "ألمانيا العام صفر" وكان جليًا في "سترومبولي" وزهور الفديس فرانسيس قم في أوروبا 51 ورحلة إلى إيطاليا، ولكن دعنا نكون جوهريين أكثر، على ماذا تلومه في هذه الأعمال التي كانت غنية وجمالية، نعم، لقد أصبح قلقه أقل فيما يخص الواقعية الاجتماعية وتأريخه لأحداث الحياة اليومية، نعم، لا يُمكن إنكار أن قلقه هذا قد انخفض لصالح التركيز على الرسالة الأخلاقية، ولكني أرفض أن أسمح للنقاش أن ينزل لهذا المستوى المليء بالشكوك فنحن نعرف في الواقع أن لروسيليني ميول مسيحية ديموقراطية فيما يتعلق باتجاهه السياسي، ولكن لا يوجد اثبات واضح على إدخال ذلك في فنه، وحتى هذا السبب لن يكون بهذه الدرجة من الإقناع لي لاستبعاده من فئة أنه فنان ينتمي للواقعية الجديدة.


ودعنا نقول أنه ليس لأحد الحق في رفض أخلاقية أو روحية قد شعرنا بها في بعض أعماله المتأخرة، ولكن ذلك ليس معناه رفض الإطار الجمالي الذي تحتوية الرسالة، قد أقبل ذلك إذا كانت أفلام روسيليني أقل حقيقية، أو أنها تعتمد على أفكار مسبقة ولكن في هذه النقطة فلا يوجد مخرج إيطالي لديه هذه الميزة في نقل الواقعية تقنيًا ولغويًا مثله، وهذا ما يميز روسيليني وما جعله يتصدر المشهد.



                                      فيليني - روسيليني - دي سيكا                                          

إذا كانت هناك كلمة لها معنى - فمهما كانت الخلافات التي تنشأ في تفسيرها-فإنها تقف ضد الأنظمة الدراماتيكية التقليدية في هذا الفن، وكذلك ضد أنواع أخرى من الواقعية في الأدب والسينما ونحن على دراية بها وبانها تريد أن ترى "الكمال" في واقعها". أما الواقعية الجديدة فهى وصف للواقع كل من خلال الإدراك والرؤية الخاصة للأشياء بشموليتها، ما أعنيه هو أن الواقعية الجديدة تتناقض مع جماليات الواقعية التقليدية وتتفق مع المذهب الطبيعي، لذلك فلا يجب أن نشعر بالقلق حول اختيار الموضوعات أكثر من قلقنا فيما يتعلق بالوسيلة أو الأسلوب، ففي فيلم "بيزة" فهناك تصوير للمقاومة الإيطالية وهو أمر قد يتم طرحه في أفلام عدة، لكن المختلف هو كيفية تصوير روسيليني وعرضه للأحداث.


لأطرح ذلك بطريقة أخرى، الواقعية الجديدة ترفض التحليل مهما كان، سياسي، أخلاقي، نفسي، منطقي أو اجتماعي وهو أهم جزء في تعريفها، لا الموقف الموضوعي الشخصي للفنان، أو الوثائقية، فهى لا تقتصر على ذلك، وروسيليني مولع بالقول بأنه لا يركز حبه على شخصياته فقط بل في تصوره للعالم الحقيقي كما هو تمامًا بدون أن يضع تصور مختلف وموجه لفكرة ما، ففي الأساس فإن الواقعية في نظري لا ترفض اتخاذ موقف وجها لوجه مع العالم، لكنها ترفض الحكم عليه، فالفنان يتأثر بوعيه الخاص ولكنه لا يضع أسبابه ومشاعره وإيمانه ومعتقداته الخاصة كعائق من تميز عناصره وحقيقتها.


أود ان أطرح السؤال بهذه الطريقة، الفنان الواقعي التقليدي "زولا" على سبيل المثال يحلل الواقع إلى أجزاء ثم يقوم بتجميعه وتوليفه وفقًا لمفهومه الأخلاقي عن العالم، في حين أن وعي الواقعي الجديد يقوم "بفلترة" هذا الواقع مثل أي شخص آخر اعتمادا على وعيه، لا يعترف بالواقع ككل بل يقوم بتحديد - ليس ما هو منطقي ونفسي- بل ما هو وجودي، بمعنى أنه يعيد تصدير الواقع لك كاملًا لكن ليس كصورة بالأبيض والأسود كُسرت ويريد تجميعها من جديد- بل إنه يضعها معًا ولا يضيف لها "اللون المصطنع" بل يضع البصمة الحقيقية للواقع، وهو نوع من عفنٍ مضيء في اللون العام لهذه الصورة وهو ببساطة لا يُحسب- الأهم، هو أن تكون هناك هوية وجودية بين الكائن وصورته الفوتوغرافية.


ربما يُمكنني أن أكون مفهومًا أكثر بمثال آخر وهو فيلم "فياجو اين ايطاليا" فهو فيلم باعتراف الجميع خيب آمال الجمهور لأنه لم يصور نابولي بصورة مكتملة، فقد نقل روسيليني جزء صغير من الواقع، ولكن في رأيي فقد رأينا التماثيل في المتحف، النساء الحوامل، التنقيب في بومبي ومشهد موكب الشهيد المسيحي، وهذه مشاهد لديها نوع من الكمال "في رأيي أنه ضروري" فقد تم تصفية وفلترة نابولي من خلال وعي البطلة " انجريد بيرجمان"، وعي عاري تماما ومحصور في نطاق عقلها هى فقط، فهى سيدة برجوازية عادية تعاني من القوة الروحية الهائلة عند فقراء نابولي، نابولي في هذا الفيلم ليست نسخة كاذبة "فيمكن لمن يريد أن يتعرف على نابولي بسهولة أن يرى فيلم وثائقي لمدة 3 ساعات طويلة عنها"، ولكن نابولي هنا عند روسيليني ليست مجرد مناظر طبيعية وصور جامدة، بل هى صور ذاتية عند وعي وشخص "البطلة"..


الآن يُمكننا أن ندرك الموقف والأسلوب الذي يقف فيه روسيليني منفردًا فيما يخص شخصياته، وجغرافية المكان وصلته الاجتماعية وموقف بطلته نحو نابولي وأهلها، هذا برأيي هو الفرق بين الإدراك العادي وبين إدراك هذا الفنان المثقف للغاية والذي في رأيي فنان يملك حيوية روحية استثنائية..


أعتذر عن استمراري في التحدث بطريقة الاستعارة، ولكنني لست بفيلسوف ولا يمكن أن أنقل المعنى بطريقة أكثر مباشرة لذلك فسأحاول عقد مقارنة أخرى، وأقول هذا الشكل الكلاسيكي التقليدي من الفن الواقعي، الذي يتم بناؤه كما يتم بناء المنازل بالطوب أو قطع الحجارة، فلا يوجد أحد هنا يُشكك في فائدة هذا المنزل أو جماليته التي يُمكن أن تكون موجودة او مدى ملاءمة هذه النوعية من الطوب في بناء المنازل، فواقع الطوب لا يتم الحكم عليه في مدى جماليته مُفردًا او مدى قوته بل من خلال تكوينه النهائي والكاملن فأنت لن تفكر في هذه المادة على انها مجرد قطعة من الصلصال، ما ستفكر فيه وما يُهم هو أن تكون الأبعاد سليمة وأنه العنصر الأساسي لبناء منزل، وليس بما يُنبيء به مظهره.، مثل الصخرة الكبيرة كذلك التي تقوم بتكسيرها ووضعها لتساعدك على عبور النهر، فهى لا تتأثر بقفزك عليها من واحدة لأخرى، والمعنى الذي تحقق "فقط" ، تحقق بفضل استخدامك لها وفائدتها في تحركك، الحركة التي قمت بها هى من جلبت البراعة للأمر برمته، ولن يغير أي شيء ما هى طبيعتها أو مظهرها بالنسبة لك، فأنت فقط من أعطيتها المعنى والفائدة الموقتة.


هذا المثال يُساعد على فهم معنى الواقعية الجديدة والذي يسمح للعين بالانتقال من حقيقة لأخرى، من واقع لآخر، في حين أن الكلاسيكية هو تكوين فني يتم على أساس البداهة، المنزل قائم بالفعل وهناك لبنة قد شيدته، إذا كان التحليل الخاص بي هو الصحيح فإن هذا يعني أن مصطلح الواقعية الجديدة ينبغي أن لا يستخدم كاسم، بل أن يتم معاملته كهيئة، كجسد، فالواقعية الجديدة على هذا النحو لا أساس لها، بدون وجود مخرجين واقعية جديدة سواء كانوا ماديون، مسيحيين، شيوعيين، أو أيًا كانن فيسكونتي هو "نيورياليستيك" في فيلمه " لا تيرا تيرما" وهو دعوة لثورة اجتماعية، روسيليني هو "نيوريالستيك" في فيلم زهور القديس فرانسيس، وهو الفيلم الذي يُضيء لنا حقيقة روحية محضية.



انجريد بيرجمان بطلة العديد من أفلام روسيليني وزوجته

بل أنني أرى بأن فيلم "رحلة إلى إيطاليا" هو فيلم واقعية جديدة أكثر من "ذهب نابولي" على سبيل المثال، رغم إعجابي به ولكنه يدعم الاتجاه النفسي والمسرحي، على الرغم من بعض اللمسات الواقعية فيه، وأود ان أذهب إلى أبعد من ذلك بالقول بأن روسيليني قام بتوسيع حدود الجمالية في الواقعية الجديدة أكثر من أي مخرج إيطالي آخر، لقد قلت أنه لا يوجد شيء يُسمي بالواقعية الجديدة النقية، فالواقعية المثالية والكاملة هو أمر لا يُمكن الاقتراب منه، ففي كل الأفلام التي يُطلق عليها "واقعية جديدة" هناك نوع من آثار الواقعية التقليدية، بإثارة أو إدهاش أو إضافة بُعد نفسي ويُمكن تقسيمها جميعًا إلى العناصر التالية:


الواقع الوثائقي مُضاف عليه شيء آخر، وهذا الشيء الآخر يكون نوع من الجمال البلاستيكي في الصورة، او المعنى الاجتماعي، او الشعري أو الكوميدي وهلم جرًا، ربما تكون قد وقعت في فخ الإمساك بحدث أو أثر مقصود في أعمال روسيليني، ولكن ليس هناك شيء في أفلامه ينتمي للأدب أو الشعر، أو حتى إدخال الجمالية في الكلمة لإرضاء المتفرج على حساب المعنى. روسيليني يوجه الحقائق، ربما يبدو الأمر كما لو أن شخصياته مسكونة بدافع الحركة أكثر، أو أن إخوته في فيلم زهور القديس فرانسيس لم يجدوا طريقة أفضل لتمجيد الله من إقامة تلك السباقات، او مسيرات الموت الليلية لفتيات الفلاحين والقنافذ الصغيرة في الشوارع في فيلم ألمانيا العام صفر؟




إنه إشارة "لفتة"، تغيير، بالحركة المادية التي يستعملها روسيليني لتشكيل جوهر الإنسان في أفلامه، وهذا يعني أن شخصياته أكثر عرضة للتأثر بواسطة الحركة المادية، عالم روسيليني هو عالم من الأفعال النقية، غير مُهمة في حد ذاتها ولكنها تُمهد الطريق "كما لو أنه دون معرفة من الله نفسه" لكي يصل لك الوحي المُبهر والمفاجيء للمعنى، هذا هو الحال في فيلم "رحلة إلى إيطاليا" فنرى اثنين من الشخصيات "القادة" والذين لا يظهرون حتى على الكاميرا، غامضين "وروسيليني لا يدعي بأن وراءهما معجزة، ولكن يُشير فقط للضجيج وحشد الناس وحركاتهم التي تستدعي وتنتظر المعجزة" وهو تأثير هام لتجسيد وعي شخصياته من خلال هذه الطريقة، ومع ذلك، يُظهر في هذا التدفق الغير متوقع في المشهد حبهم لبعضهم البعض.


في رأيي، لم يكن هناك أحد أكثر نجاحًا في خلق جمالية الهيكل الجمالي بثوة حرفية وكاملة ووبكل شفافية كما فعل، وكانت أفضل على مستوى التوجيه وملاءمتها للأحداث من مؤلف فيلم "اوروبا 51"، الهيكلة التي يقوم بها روسيليني تسمح للمشاهد بأن يرى " لاشيء" ولكنه يرى الحدث نفسه، غير متبلور ولكن فن روسيليني يعتمد على معرفة ما ينبغي القيام به لإضفاء الحقيقة على الشاشة ولكن بشكل جوهري أكثرن أنيق أكثر، ليس برشاقة ولكن بحرفية أكثر في التخطيط، والتكوين، الواقعية الجديدة في أسلوب وفهم روسيليني تستند إلى التجريد في الأساس.


لكي يتم وضع الاعتبار للواقع فهذا لا يعني إظهار الحقيقة تلو الحقيقة، مع تراكم المظاهر، بل على العكس، بل يعني أن يتم تجريد المشهد من كل ما هو ليس ضروريًا من أجل الحصول على مُنجز مُخطط ولحني، صحيح أن بعض ما يظهر في أفلامه يُعيد لذهن الشخص "السيكيتش" أكثر من إظهاره والتزامه للصور الواقعية كما هي، ولكن ما هى ضرورة أو حتمية تجسيد خط واضح عن الفقر أو الاستدعاء لصور ما، أو عن الكسل؟.


يجب أن أقول بان روسيليني هو أستاذ "خطاط" أكثر من كونه رسام، كاتب قصة قصيرة أكثر منه روائي، ولكن ليس هناك هذا التسلسل الهرمي للأنواع فيما يخص الفنانين، لا أتوقع ان أكون قد أقنعتك عزيزي آريستاركو، ولكن على أي حال فمن المستحيل أبدًا بالحجج أن يفوز شخص ما على آخر، الإدعاء بذلك يخلق ما هو أكثر من اختلاف، ولكني سأشعر بالرضا لو أن قناعاتي "والتي سوف تجد صدى من الإعجاب عند روسيليني ويعض من النقاد الزملاء" سوف تخدُم قناعاتك كذلك.


أندريه بازان.


ترجمة: حسـين ممـدوح






karasatilcinema.blogspot.com
                                                                    حسابي على الفيس
                                                               رابط المدونة على الفيس بوك



Saturday, 24 August 2013

الأفكار التي تكون على حافة الرأس، في عمل الفيلم الوثائقي


فريدريك وايزمان، أسطورة الأفلام الوثائقية والذي قام بإخراج فيلم واحد سنويًا منذ عام 1967، مع الأخذ في الاعتبار الصعوبات التمويلية سلط الضوء على قضايا حرجة بالمجتمع الحديث أبرزها فيلمه "حماقات" والذي ركز على تعامل الدولة مع المسجونين في بريدج ووتر والذي يسبب في اختلالات واضطرابات عقلية واضحة لمن يعاقبون في فترة تواجدهم.



، وتم حجب الفيلم عن الجمهور العام في 1991 بسبب انتهاكه لخصوصية السجناء مع ملاحقة من ولاسة ماساتشوستس له.

أن تتلقى جائزة بعد 40 عامًا كاملة على فيلم حماقات تيتكات فقط في هذا العام، إلى ماذا يشير؟ حسنًا، هذا يجعلني أشعر بأنني مدى تقدمي في العمر، انا سعيد للحصول على هذه الجائزة، أستطيع أن أقص عليك كل حوار دا هناك وكل تجربة جرت في بريدج ووتر وجلسات الاستماع التي تمت.

تقاضي الدولة؟ كان مهزة في الأساس، حجب الفيلم هو أمر آخر ولكن التقاضي كان مشين لأن الجهود الرامية إلى منع الفيلم نجحت في رميها لفترة طويلة ولكنها لم تدم للأبد، إنه مثال على الجبن السياسي والغباء.

لأفلامك عادة الكثير من الأسئلة التي لا يُرد عليها ويتعذر فيها التفسير، لديّ فضول فيما كنت تشعر حينما تقوم بعملية التصوير وكيف كنت تفكر؟

التفكير بالنسبة لي يحدث في المونتاج، فأثناء تصوير العمل لا نفكر في آثاره وإنما هيكله، أنا عادة لا ابدأ في التفكير في العمل النهائي إلا بعد 8 أشهر من المونتاج والانتقاء وترشيح أكثر من تسلسل وتتابع، فضلًا عن ذلك فأنا لا أحب شرح الأفلام، فوظيفتي هى صناعة الفيلم وما أفكر فيه هو ما تراه في الفيلم بصورته النهائية.

الأفلام الوثائقية فيها الكثير من التعديلات ، الكثير الكثير بدون دخول المسائل التقنية في تفكيرك، فأنت تقرر أو تحدد ما تريد تصويره في حالة اندفاعه "هنا نذكر تعبير فيرتوف أن نظريته كانت كشف الحياة في حالة تلبس"، ولكن من الواضح أن هناك جانب فني أو علاقة فنية بذلك، ولكن أعتقد أن عملية المونتاج كانت محاولة لتحليل السلوك البشري من جانبي.

بمعنى آخر..سؤالي الأساسي هو لماذا، لماذا يطلب شخصًا سيجارة في لحظة معينة؟ هل هناك تفسير لاختيار كلمة واحدة بدلًا من الأخرى؟ ما هو المغزى من رداء هذه المرأة؟ لماذا يأتي أحد العملاء لمركز الرعاية مرتديًا زيًا عسكريًا. لماذا يتوقف حديث شخص في منتصف جملته؟ هل هناك تفسير لتغيير اللهجة.. أعتقد ان هذا النوع من التقييمات التي تكتبسها من التجربة العادية لمحادثتك للأشخاص، ولذلك هناك أنواع مختلفة من التقييمات عليها أن تكون أكثر تركيزًا لكي تقوم باختيارها كمشاهد، هذا النوع من التقييم الذي يجري بيننا في المقابلات يتم تحديدها وتحريرها في فيلم بصورة رسمية.

Thursday, 8 August 2013

بازوليني و "الآب جويا"، المُقدس فقط هو الحنين إلى الحياة "1"..



شعر الحركة عند بازوليني، أن تخرج من رحم الكلمات المُشبعة بالتصوير الحسي للعنف أو الجمال إلى قلب الشاشة، عبارة عن مانيفيست "كاشف" إلى ما آلت له القدسية في روما من
جماعات البرجوازية الصغيرة، إلى معمار وآليات صعود جديدة تاه فيها "إيتوري" شخصيته البطلة في "أمي روما" أو ستراشي في "روبوباج".



بتدقيق أكبر على عمله في "روبوباج" والذي تكلم فيه عن الخادم "ستراتشي" والذي يمثل الضحية المسيحية المعذبة "الذي مات ليخبر الغير أنه كان يعيش ما بينهم"، الممثلين والصحافيين والمخرج والقديسين حسب كلمات أورسون ويلز.
طغيان الصبغة السياسية والنقد العنيف الواقعي الذي اتسم به مخرجين هذا العصر في أوروبا خاصة الإيطاليين منهم، ذلك الذي ألهم الكثير من دراسي السينما من القارة الأفريقية السوداء ، كما ألهمت سينما الحركة والتفجيرات والأجسام المتطايرة في الأفلام الأمريكية الجمهور الذي أرادوا استهدافهم.

بساطة التركيب، الكادر الواسع ..الجمع ما بين الطابع الفني والدرامي مع الاعتماد على ممثلين غير محترفين أو ليسوا ذو كارير طويل، التركيز على الطفل كشخصية رئيسية، المرأة، الشباب وحتى الحيوانات، تقييد المونتاج والتعويل على الموسيقى.

الحنين إلى الحياة، الحنين إلى الحب، إنه النسخة الشابلينية الخاصة بي "نسبة إلى تشارلي تشابلن" كان ال

فكرة الرئيسية لعمل مثل "سالو" حسب تعقيب بازوليني عليه والذي يعتبر أكثر الإعمال إتعابًا للنفس وأنه طارد للحياة حسب جمهور المتفرجين، بعنين دامعتين قالها الشاعر الذي بدأ تنظيم كلماته في قصائد منذ التاسعة، الماركسي العنيف والذي تم إقصائه من المشهد الثقافي الإيطالي بعد حادثة قتله في 1975 ولكن الدراسات السينمائية عنه لا تتوقف.

قال بازوليني مقابلة معه في عام 1966 تعبيرًا عن مصدره في كتاباته وشعره وأعماله بأنها "الآب جوي" وهو تعبير يدل حسب قوله على النشوة الشعرية وحب الحياة، التعبير عن الوجود على الرغم من التهميش العلني والإيذاء، بأعمالٍ أسطورية أخروية وربما نوعًا ما ماجنة ولكنها الاحتفالات المقدسة التي يراها وينقلها عن عصره.

أعمق رغبة عند الإنسان حسب المفهوم الأنثروبولوجي هو أن يشعر بأنه يعمل عملًا مقدسًا وبأنه مخول من المُقدس ويحظة على احترامه حتى لو كانت من خلال سلوكيات غير مشروعة، انانية، تتعدى العالم الكوني.

المُقدسات في كل مجتمع هي ظاهرة، قوة غير مفهومة، تهدف إلى الحفاظ على الوضع الراهن، بشكلٍ ما من أشكال الألوهية ولكن عند مفهوم بازوليني "فكل موجود هو مقدس، والواقع هو إلهي".

انتقاده العنيف لاقتصاديات السوق المعاصرة والاتجاهات العقلانية، العلمانية، المادية مع مشاعر دينية غير عقلانية وغير روحية كانت أهم سمة من سمات أعماله "كانت طريقة الآب جوي علامة هيمنت على جميع أعمالي، هى هذا النوع من التوق للحياة، في مواجهة مشاعر العزلة والاستبعاد من الواقع الحقيقي".

لذلك كان سلوكه في أعماله وشعره استفزازيًا للقيم المادية والبرجوازية المحافظة، أعماله التي لم يكن يعتبرها سلعة للتسويق ونفس الأمر بالنسبة لأشعاره باللهجة الفريولانية ورواياته مثل "بنين الحياة، وحياة عنيفة".


أفلام بازوليني الأهم الصعلوك، ماما روما، إنجيل القديس حسب ماتيو،تيوريما اعتمدت اللغة البصرية البحثة، لتحويل اللغة السينمائية كوسيلة لكشف هذا الواقع وليس لجعله تسويقيًا، واستنساخ الكائنات الحقيقية لكي تظهر الواقع في سينما لا تحظة بشعبية ولا تعترف بمقدس، مع أسلوب خاص في المونتاج يؤكد نطاقه الميتافيزيقي.

Sunday, 4 August 2013

الوجـه و وجه المرآة ما بين ستدزنيسكي ولاكان



اضغط على الصورة لمشاهدة العمل

كيشولفسكي الممثل . الفنان المتمحور حول ذاتيته الصرفة والخروج عن  تلك الذاتية وتحطيمها كمخرج وحل لمشكلته والخروج لأفق أرحب.

طرح بيوتر تيدونيسكي في عمله القصير والوحيد  تأجج الرسام ما بين واقع الغرفة وواقع ما خارجها، خروج الدهليز أو الخروج عن توصيف لاكان بأن الطفل عندما يرى نفسه في المرآة فإنه يعبدها. كراهية الوجود المادي نفسه كان بداية لأن يستعيد جلوسه من جديد أمام الورق لكي يرسم بعد حالة من الشك، حول الذات، حول الوجه . الذي دُمِر على الورق.

الموسيقى في العمل كانت تُمثل القلق الذي انتاب مرسمه، الموسيقى القلقة وحركة كرزيستوف داخل الغرفة كانتا متوافقتان. مع التكوين المادي للغرفة مع المرايا التي كانت تحيط به في كل جانب ولوحات، الأنا.

يقول لاكان :مرحلة المرآة "هذا المستوى الرمزي والتخيلي" هى مرحلة أساسية في حياة الطفل وهى ليست مجرد لحظة من لحظات النمو النفسي فقط بل هى نموذج أولي للأنا وهى تعد نموذج لعلاقة الفرد بصورته ، أهم ما يميزها أنها تُعطي سيطرة متخيلة للفرد على جسده وهو أمر سابق على الواقعية الجسدية وهو ما يشعره بأنه امتلك وجوده.

الأنا الإنساني يُشيَّد على أساس من صورة الجسد ولذلك فإنها تلعب دور في تشكيل صورة الأنا النرجسية.



-شارك ستدزنيسكي رفيق رحلة كيشولفسكي معه في إخراج فيلم "أبيض" من ثلاثية الألوان.

Monday, 29 July 2013

اليابان، التشوه ما بين جيلين والتصالح مع الحرب - ماساكي كوباياشي


في علم الجمال الياباني، هناك فكرة تُشير إلى أن الفراغ نفسه ذات مغزى، كما في موسيقى تورو تاكيميتسو، وقد عقبر دونالد ريتشي بذلك بقوله " إن هذه الفكرة تشبه إلى حد كبير المثل الصيني الذي يقول أن الورقة الصافية الفارغة ليست فارغة حتى تقوم بوضع أول علامة او حرف عليها"، أي بمعنى آخر فإن الفراغ ليس موجودًا إلا إذا اُقتحم بشيءٍ ما، ولكن قبل ذلك فهو غير قابل للتعريف، لأن لا شيء هناك..مثل الياباني ما بعد الحرب.. ولذلك السبب رفض كوباياشي أن يكون مؤرخًا لأنه يرفض خدع ومكر من يكتبون التاريخ..

غرض صناعة فيلم مثل هراكيري؟

 كان الانتحار من العلامات الأساسية لصناعة الدراما فيه، عندما يأخذ شفرة الخزران ويثقب بها بطنه ومن المستحيل أن تجد ذلك مكتوبًا في السيناريو ولكن عند تصوير هذه العملية في الواقع فالأمر مُختلف تمامًا ولذلك فإنني قبل يومٍ من تصوير هذا المشهد ابتعدت تمامًا، حتى عن الستوري بورد "عملية رسم المشهد" وخرجت لكي أشرب، فانتم تعلمون في الستوري بورد يكون هناك الكثير والكثير من التركيز، وطرح الأسئلة التي لا حل لها ولكن في ومضة معينة يتحقق ذلك، إنها كما عملية صناعة الموسيقى، مهما يكن فقد كنت أشرب الكثير يومها ولذلك تمكنت من الذهاب في الاتجاه الوحشي وتصوير هذه العملية "شق البطن"

وأنا في حالة سُكر، ولأنه كان يتمتع بقدرٍ كبير من الوحشية فقد كانت موسيقى تاكيميتسو عاملًا مساعدًا، كانت رائعة للغاية ولقد استخدام آلة الـ"biwa" والتي تُحدث أثرًا ورنة حزينة وكانت محاصرة للمشهد بأكمله ولذلك عندما تشاهده فأنت لا ترى الإيذاء الجسدي ولكنك تستمتع بالموسيقى، كانت شخصية ميكوني في العمل تُرمز لنوعٍ من الإقطاع وكان تصوير المشهد فيه برودة وسادية جيدة للغاية.

يجب أن يتحلى المتفرجين الغير يابانيين بالوعي اللازم للابتعاد عن سوء الفهم، هذه الطريقة التي صورنا بها المشهد ليست لكي يقولون " يالها من بلد همجية" بل أن هذا المشهد الذي يُجسد طقوس الانتحار أمر بالغ الأهمية في اتساع الرؤى الانسانية، وهذه ليست سوى اليابان.

دائمًا ما سألني الصحفيين عن ما أريد من هذا الفيلم ولكن هذه ليست طريقتي فالموضوع هو من يطرح نفسه خلال عملية صناعة الفيلم.
في ذلك الوقت، عندما شاهدت أفلام فرانك كابرا أو جون فورد، هل كنت تعتقد أن أمريكا هى نفسها التي كانت في أفلامهم؟ نعم، أعتقد أن لديّ الخبرة لمعرفة ذلك وفي حالة جون فورد فقد قدم فيلم "عناقيد الغضب" والذي كان ذا توجه اجتماعي، بعمق حقيقي في العمل وفي أفلامه الذي قدمها بعد ذلك وكانت مُحفزًا لنا لتقديم فن بلا أية قيود.

وفي المهرجانات الدولية كان الصحفيين الأوروبيين يصفون بعض المشاهد بان فيها الكثير من الوحشية المفرطة وكنت أشرح لهم لماذا، بعد ذلك كنت أراهم يتجادلون فيما بينهم وكان من المثير حقًا رؤية هذه المناقشة المثيرة والصريحة.

ولكن علماء الاجتماع والمؤرخين يبحثون ويصدرون أنواعًا من النظريات، ما الموقف الذي يبحث عنه المخرج هنا وهو مُشارك في عملية الكتابة مع -شينوبو هاشيموتو-، ماذا كانت نواياك؟

حسنًا، بالطبع كنا نريد التعبير عن معارضتنا للإقطاع، هذه النقطة الرئيسية ولكن كانت هناك نقطة تتحدث حول مسألة خداع التاريخ فهناك واقع أو حادث يُحذف ولا يتم تسجيله في التاريخ الرسمي، وهو ما يعتبر نوعًا من المكر والنفاق، وهذا لا يختلف ما إذا كانت قصة حديثة أو تاريخية، نفس النوع من الأكاذيب نتلقاه يومًا بعد آخر.

فيلم "شباب اليابان" يُعتبر عند بعض الناس نُسخة حديثة من فيلم الهراكيري، إصدار جديد؟

من وجهة نظري فإن فيلم شباب اليابان والهراكيري لا يملكان نقاط مشتركة، ربما هناك علاقة أكبر بهذا الفيلم مع "هيومان كونديشين -حالة الإنسان- فهو نسخة للمواطن الياباني ما بعد الحرب، وأنا مولع بهذا العمل لأنه يشبهني ، أعتقد اننا متشابهان جدًا وحتى الآن ما زلت أطنطن بموسيقى الفيلم فهى تُعبر عن مسألة الفجوة الحادثة بين جيلين.

من حيث الموسيقى، هناك اختلاف كلي بين فيلمي كوايدان وهراكيري وبين فيلم شباب اليابان أليس كذلك؟

أعتقد أنها كانت قصة ذات الأجزاء الكوميدية والساخرة فيهما، أي كوميديا؟ صحيح إنها ليست كذلك فهناك مشاعر قوية مناهضة للحرب ولكن من ثُم تتحول قضية البطل إلى لوسائل الدفاع الذاتي، يبقى في نفس المكان ولكنه يحاول التغلب على عقبات معينة في حياته وفي محادثته الأخيرة مع ابنه وبعد كل هذه الحوادث الذي مر بها تمكن في نهاية المطاف من عبور الخط السابق في حياته، ولكن ضمن حدود شخصيته.

على وجه التحديد كيف تجاوز خطه السابق؟

بعبارة أخرى كانت الشخصية الرئيسية قد ذبلت، بدأت في كراهية حياته وعائلته، كما لو كان قد اختفى وتبخر، وكانت إلى حد بعيد ظاهرة اجتماعيةن وتطورت مع مشكلته في اختيار ابنه لصديقته، حيث اكتشف الرجل أن والدها كان هو قائده الخاص في أثناء فترته في الجيش، كانت هذه هى الآزمة ، بدايتها وظهرت مع حبيبة ولده.

ولكنه يقرر أن يتصالح ويتسامح مع حياته السابقه ، مضطرًا لاكتشاف طريقة جديدة للعيش، وأعتقد أنني وجدت وقتها هذا النموذج الأمثل لنهاية الفيلم.

إذن فقد نجح في أن يتغلب على أزمته ويعود لحياته القديمة؟

التجاوز والتخلي عن الأزمة هو أمر يختلف عن الاستسلام، لقد حل مشاكله القديمة بطريقة خاصة، فنفسه القديمة لم تعد موجودة وحتى مسألة الدفاع الذاتي عن ما حدث له في الحرب، في المشهد الأخير يسير نجله مع صديقته والتي تقول له "مهما حدث، لا تلجأ لوسائل الدافع الذاتية أبدًا".

Sunday, 28 July 2013

الموسيقى والصوت الواقعي في أفلام كوباياشي



المُخرج الياباني العظيم، ماساكي كوباياشي في حوار سابق له بتاريه 1993 تحدث عن دور الموسيقى في أفلامه، وأفلام كوروساوا، أعماله كانت تُمثل تمردًا على أفكار المجتمع التقليدية، السحر والأساطير والمرأة والحرب..ومع ذلك فقد كان أقل حِدة ومباشرة من غيره.



في كثير من الأحيان يتم استخدام الموسيقى ليدعم هذا التدفق الفيلمي، ولكن نرى أنك تجعل الموسيقى تصطدم بالقصة، فهل تعتقد أن الموسيقى المستخدمة من هذا النوع تكون فعالة معك؟

-بشكلٍ عام، الطريقة التي استخدم بها الموسيقى تكون بعد الانتهاء من التصوير والمونتاج، أُقدم الصور للموسيقي الذي يزورنا ونحن نصور بالفعل لكن عندما تكتمل الصورة بصريًا فالامر مختلف، فالموسيقي يواجه الصورة ومن هنا تبدأ الإشكالية بين المؤلف والمخرج والموسيقي، الذي عندما يتفاعل مع العمل يكون لديه تفكير آخر، ما هو النوع الأكثر فاعلية، مثل ما حدث بيني وبين "تاكيميتسو" فعند استخدام موسيقى متدفقة التأثير فقد يُفسد ذلك الشعور الكام من الصورة ولذلك فقد تفطن تاكيميتسو لذلك بذكاء واكنت لديه قدرة على الفهم العميق لما تعنيه الصور التي قدمها المخرج.

في فصل "الشعر الأسود" من فيلم كوايدان كانت هناك موسيقى سريالية، بشكلٍ فائق للغاية فماذا كان تفكيرك ناحيتها؟

-نعم هذا كلام دقيق، لأن اتجاه القصة كان يسعى لإحداث هذا التأثير فيك وفي تاكيميتسو الذي قرر اعتماد هذا النهج على الفور وقرر أن يستخدم "أصوات" مُجرد أصوات حقيقية فعندما عاد البطل لزوجته المهمشة في بيتها المتهالك استخدمنا صوت حقيقي "صوت قطع الأشجار" لقد كان مشهدًا لما يعني البيت المتهالك بعد حنينه إلى بلدته الأم، كانت هذه هى الكلمات التي نطقها البطل بدون حوار، فقط بالموسيقى.

إننا لا نريد تحريك وإشعال الجمهور كهدف، بل أن يحدث ذلك بتأثيرٍ غير مباشر وغير متوقع، مُختلف تمامًا عن ما كان متوقعًا، الموسيقي الجيد ليس البسيط والذي يمكن أن تستكشف ما يقدمه.


مشكلته مع أكيرا كوروساوا؟

أوه، نعم..كانت لديه دومًا مشكلة فيما يتعلق بعمله غالبًا مع كوروساوا ..ولكنه تحاشى ذلك معي في فيلم تمراد الساموراي حيث كانت جمل ميفان صعبة الفهم والسماع بسبب موسيقاه ولأن الحوار كان يُقال بصوتٍ خفيض، ولكنه عالج ذلك بنوعيات مختلفة من الأصوات، أصوات جميلة لم يكن تحدث أي تشتيت أو تشويه لصوت الممثل، نبرة الممثل التي كانت تقول الكثير بدورها ولذلك فقد كان عمله أكثر من مجرد شخص يعمل بالموسيقى بل هو مشرف عام ومُتقن في عملية التعديل.

في فيلم محاكمات طوكيو استخدم 9 دقائق فقط من أصل 4 ساعات للموسيقى وما تبقى كانت مجرد أصوات، أصوات حقيقية مستندة إلى الواقع، وهذه مسئولية كبيرة لأنك يجب أن تكون عاطفيًا في التعامل معها وأن تخدم العمل.

هذا يعني أنه ربما كان يأخذ عدة أشهر للقيام بهذا الدور، أكثر من الوقت الذي يعمل فيه لأجل تسعة دقائق من الموسيقى، أليس كذلك؟

نعم، معظم الأفلام الوثائقية الآن تبدأ بالموسيقى وتنتهي بها، بل في الواقع فإن الموسيقى تكون من البداية حتى النهاية، وقد طلبت مني شركة الانتاج أن لا يكون فيلمي الذي يمتد لأربع ساعات ونصف داعيًا للنوم، وكان هذا يعني مثلًا أن يكون بدون موسيقى؟ لا ، كان هذا تحديًا وإنجازًا خاصة في المونتاج وكيفية استخدام النص.

كانت أول تجربة لي في الأفلام الوثائقية وأنا مخرج روائي أو سردي وكان هذا هو التحدي الأصعب ولذلك أردت تقديم عمل وثائقي يقترب من معايير الفلم السردي، قمنا بتقييد استخدام الموسيقى إلا في الأجزاء التي تعرض ضحايا الحرب الأبرياء، على سبيل المثال اغتصاب نانجينج وتدمير هيروشيما وكانت الموسيقى نوع من مرثية لهؤلاء.

- ماهو الدور الذي تلعبه هذه المقاطع الوجيزة من الموسيقى في الفيلم؟

في بداية الفيلم، تجد مشاهد لتصوير ضحايا الحرب طوال الوقت وفي هذه المشاهد يتم إدخال الموسيقى بوضوح، تدمير هيروشيما بقنبلة ذرية أو مذبحة نانجينج حينما تم قمع الصينين بقسوة من جانب اليابانيين، هذه المشاهد تتكرر طوال الفيلم ولذلك كان لا بد من استخدامها بشكلٍ وجيز ولكن جعلها مرتوية بالموسيقى إلى حدٍ بعيد، نعم.

ماذا عن موضوعك أنت وأفكارك حول التاريخ من خلال أعمالك؟

أعتقد أن كل ما قدمته كان يصطدم بالسلطة، في فيلم "هيومان كونديشين" أعتقد أنني قمت بذلك بأكمل صورة، ولكن حتى في فيلم "الهراكيري" وتمرد الساموراي كان هناك تحديًا للسلطة، جاء من منبع حياتي الخاصة، بما ذلك تجربتي في الجيش ومعارضتي للنزعة والمنظمات العسكرية في هذه الأيام، كانت هناك رقابة صارمة ولا يمكن أن نناقش شيئًا في العلن، ولكن بعد الحرب جاءت الفرصة والوقت لمناقشة مباشرة حول هذه القضايا.

هل كان من الممكن تقديم فيلم مثل الهراكيري خلال او بعد الحرب؟ لم يكن ممُكنا
كانت هناك رقابة صارمة للغاية، نعرف كيسوكي كينوشيتا والذي كان يعمل كمونتير برفقتي والذي قام بتدقيم فيلم "آرمي" في عام 1944 وقد كان فيلماًا ضد عقلية الحرب وكان فيلمًا لطيفًا ولكن بعد ذلك مُنع من عمل أي أفلام واختفى تمامًا.

يُتبع..

Saturday, 13 July 2013

عندما سكنت الأشباح شاشة عرض جاك دريدا


عندما سكنت الأشباح شاشة عرض جاك دريدا



كان يشتري التذاكر مرارًا في وقتٍ مبكر ليضمن التواجد بين المقاعد المزدحمة بالعيون اللامعة والترقب لتلك الأفلام التي جاءت إليهم في الجزائر من نيويورك وكاليفورنيا، كان جاك يجلس بهيئة أحد من لم تسنح له الفرصة بملاقاة فتاته إلا في السينيما، بل لأنه كان حريصًا على معرفة وإعادة اكتشاف العلاقة الشعبية التي لا تخفت بتلك الآلة التي صدرت الأشباح من هوليوود للبلاد الأمازيغية.
الفيلم هو شبح، يقول دريدا - إن جلسة تحضير الأرواح تأخذ وقتًا أقل بقليل مما مما تأخذها السينما في فعل فعلتها بالرجل المثقف، أو المرأة المنزلية، بالعامل الريفي أو بغيرهم.

علاقة الجمهور بالصورة؟ أعترف أنني أشعر بشدة السخف من الكلمات، فالناس علاقتهم الأصيلة بالصور، والجهد الذي يتطلب ترجمة مقال أو كتابة مقال شخصي عن هذا الفيلم أو غيره لا يأخذ تقديرًا كصورة لحلمة مونيكا بيلوتشي اليسرى. يقول دريدا - ما يزعجني قليلًا أن عمل كمجلة كراسات السينما الفرنسية هى من تمثل العلاقة النظرية الوحيدة بالسينما في هذا الوقت-.

إن السينما مازالت تمتعني بشكلٍ مخفي وسري، هناك الجشع والنهم دومًا للتعرف على أشكال العاطفة المختلفة، وحقيقة كل إسقاط، مع ذاكرة حاضرة ونشطة نكون في موقف "المُتلصص" في الظلام، إنه بمثابة تحدي الحظر -المفروض على إنسان هذا العصر- بأي صورة من الصور.

كان جاك معتادُا على الهدوء المسيطر على الأفلام الفرنسية، العمل على شريط الصوت مع مناظر طبيعية خلابة والاهتمام بالديكورات، ولكن في الأربعينات جاءت السينما الفرنسية بثقافة الموسيقى والرقص والسجائر، والتي فرضت نفسها بسرعة، رافقته أفلام السينما الأمريكية في فترة دراسته كإدمان، كترفيه نادر، ووحشي.

يقول دريدا "الصورة السينمائية قادرة على إحداث اتصالات واضحة مع اللا وعي وفي السينما من السهل أن تكون في علاقة مباشرة وواضحة لعملية التحليل النفسي، من مشهد لآخر، يشعر المتفرج وكانه في عملية تنويم مغناطيسي، سحر منوم بين أشباح غرفة مظلمة، كتحضير الأوراح، والسماح لأطياف أخرى من الكائنات أن تسكن الشاشة، إن ما يُقارب بين السينما والتحليل النفسي هو أن "نُفكر معًا".

تصوير الكلمات على حافة فيلم- كتاب لدريدا - عن تجربة السينما ومواجهتها ، على الورق، دريدا وكلماته التي كانت تأتي دومًا من مُعلِم يتحدث من عليائه المعرفية أو أنه متخصص ولكن  كرجل بسيط يُفكر ويعود لأنطولوجيا الفيلم، مراهقته وشبابه مع أشباح شاشة العرض.